الرئيسية / الأخبار / أي مصير ينتظر حكومة يوسف الشاهد في ظل الاضطرابات التي تعيشها تونس؟

أي مصير ينتظر حكومة يوسف الشاهد في ظل الاضطرابات التي تعيشها تونس؟

تونس ـ «القدس العربي» ـ روعة قاسم: ظل كانون الثاني/يناير وفيا لعادته في تونس باعتباره شهر الإضرابات الاجتماعية والمصادمات بين المحتجين وقوى الأمن والأزمات السياسية التي تعصف بالمسؤولين وحتى الأنظمة. فالمتأمل في تاريخ الخضراءيشهد أحداثا بالجملة حصلت في هذا الشهر الذي بات لغزا يصعب حله، لعل أهمها على الإطلاق سقوط نظام بن علي في 2011 و انتفاضة الخبز سنة 1984 وأحداث ما يسمى «الخميس الأسود» سنة 1978 الذي شهد صراعا بين نظام بورقيبة والاتحاد العام التونسي للشغل خلف ضحايا من النقابيين والمدنيين.
لقد كان متوقعا أن ينتفض الشارع مجددا لأسباب عديدة من أهمها أن المطالب الاجتماعية التي خرج من أجلها الشباب قبل سبع سنوات لم يتحقق منها أي شيء. فقد ركبت الطبقة السياسية على «الثورة» التي كانت بلا قيادة، وحققت مطالب تخصها، فيما الوضع الاجتماعي يتدهور إلى أسوأ ومطالب الشباب المنتفض في سيدي بوزيد وتالة والقصرين والأحياء الفقيرة في المدن الكبرى ذهبت أدراج الرياح. ولعل القطرة التي أفاضت الكأس هي قانون المالية الجديد الذي تضمن زيادات كثيرة طالت البنزين وأسعار التزود بالماء والكهرباء ومواد غذائية وحتى العقارات لم تسلم من هذه الزيادات.

تحذيرات سابقة

وقد حذرت أطراف عديدة، وفي وقت سابق، الفريق الحكومي من الزيادات التي يتضمنها قانون المالية الذي كان يومها مجرد مشروع، ودعت الشاهد ووزراءه إلى مراجعته وتعديله لكن دون جدوى. إذ بدا وكأن رئيس الحكومة ومستشاريه يعيشون في عزلة، أو برج عاجي، ولم يقدروا العواقب، ولا هم أخذوا العبرة ممن سبقهم.
فقد كان من المفروض أن يستمع الفريق الحكومي إلى «الناصحين» خاصة أنهم من ذوي الأوزان الثقيلة والخبرة والتجربة على الساحة التونسية، سواء تعلق الأمر بمنظمات وطنية تاريخية مثل الاتحاد العام التونسي للشغل أو بأحزاب سياسية معارضة كالجبهة الشعبية، اليسارية القومية. كما أن الإعلام لعب دورا هاما في لفت نظر الحكومة إلى العواقب الوخيمة التي قد تنجر عن قانون المالية الجديد وزياداته وحتى رجل الشارع العادي كان شاعرا أن المصادقة على هذا القانون لن تمر مرور الكرام. ويؤكد البعض على أن الزيادات التي تضمنها قانون المالية ستصيب الطبقة الوسطى، التي هي عماد الاقتصاد الوطني، في مقتل أو على الأصح ستضيق عليها الخناق أكثر فأكثر. إذ يبدو أن هناك توجها عاما، يحركه صندوق النقد الدولي و«شركاء تونس الاقتصاديين» من الدول الرأسمالية، تتخلى بموجبه الدولة عن دورها الاجتماعي الذي يأخذ بعين الإعتبار القدرة الشرائية للمواطن، وتذهب باتجاه الرأسمالية المتوحشة التي لا تقيم وزنا لجيب المواطن.

عجز وفساد

ويذهب كثير من الخبراء والمحللين إلى اعتبار أن سبب ذهاب الحكومة باتجاه الزيادات هو عجزها عن إيجاد بدائل لشعب لا يتجاوز تعداد سكانه 12 مليونا بفضل سياسة تحديد النسل التي انتهجتها دولة الاستقلال. فقد أجمع عدد لا بأس به من خبراء الاقتصاد على أن الحالة التونسية غير مستعصية وأن موارد الدولة وثرواتها المحدودة كافية لتحقيق الرفاه لكل مواطن شريطة التصرف السليم فيها.
كما أجمع هؤلاء على أن الفساد هو أهم المعضلات التي تواجه التونسيين وتحول دونهم والنجاح في بناء دولة قوية ومنيعة من كل النواحي لأنه مستشر بصورة لافتة وزادت وتيرته بعد «الثورة». فلا يمكن أن يستجيب المواطن لدعوات الشاهد بالتضحية من أجل البلاد في ظل وجود شبهات فساد تحوم حول كثيرين ممن هم فاعلون في دوائر القرار وفي محيط الشاهد نفسه.
ولعل ما يحسب للشاهد ولسلفه الحبيب الصيد وربما للباجي قائد السبسي هو تحسن الأوضاع الأمنية في البلاد مقارنة بفترة حكم الترويكا، حيث شعر التونسيون بوجود جهود جدية من الدولة في محاربة الإرهاب بالمقارنة مع ما كان سائدا قبل وصولهم إلى الحكم. كما أن حكام ما بعد انتخابات 2014 نجحوا في تعديل السياسة الخارجية باتجاه النأي بالنفس عن صراعات المحاور وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وهو ما جنب البلاد مشاكل عديدة مقارنة بفترة حكم الترويكا التي شهدت اصطفافا مع أطراف إقليمية على حساب أخرى.
أما ما عدا ذلك فإن هناك فشلا ذريعا في الملفات الاقتصادية والاجتماعية ولم يتمكن يوسف الشاهد ولا سلفه الحبيب الصيد من تحقيق معدل نمو معتبر، إذ لم تتجاوز النسبة الاثنين في المئة في أفضل الحالات. ولا يعتبر هذا الرقم كافيا للمساهمة في الحد من نسب البطالة والفقر في البلاد، ولهذا أسبابه ومنها، إلى جانب الفساد، كثرة الاضرابات التي برعت فيها المركزية النقابية بنقاباتها المتعددة وأضرت كثيرا بالاقتصاد بعد توقف التصدير في عديد القطاعات.

نظرية المؤامرة

ويرى البعض، في تفسير ما يحصل اليوم، أن هناك مؤامرة تستهدف يوسف الشاهد قصد الإطاحة به بعد أن تكاثر الأعداء من حوله وتناقص الحلفاء. فالفريق المسيطر على حركة نداء تونس لا تبدو علاقته بالشاهد على ما يرام خاصة بعد أن استهدف رئيس الحكومة الندائي، وفي إطار حربه على الفساد أحد رجال الأعمال المقربين من أصحاب القرار في حزبه. كما أن بعض الفاعلين في النداء إما لديهم الرغبة في الحلول مكان الشاهد أو في مزيد التموقع من خلال تنصيب وزراء ومستشارين موالين لهم.
كما أن بعض الذين طالتهم يد الشاهد في إطار الحرب على الفساد لديهم القدرة على تحريك الشارع من خلال أنصارهم وتابعيهم الذين بقوا طلقاء ولديهم القدرة على الحركة، ومن مصلحة هؤلاء أن يزاح الشاهد عن المشهد لإعادة خلط الأوراق. وتلتقي رغبات هؤلاء برغبة أطياف في المعارضة لا تؤمن بصناديق الإقتراع إلا متى أوصلتها إلى الحكم، ورغبة هؤلاء تبدو جامحة في إعادة البلاد إلى المربع الأول وإجراء انتخابات سابقة لأوانها ويستشف ذلك من تصريحاتهم.
لذلك يرى هؤلاء أنه يوجد في محيط الشاهد وفي بعض الوزارات من يعمل ضد مصالح رئيس الحكومة وهذه الأطراف كانت وراء قانون المالية لتوريط صاحب القصبة وقد نجحت فيما دبرت له في ليل. وبالتالي، وحسب أصحاب هذا الرأي، فإن عددا لا بأس من النيران التي تستهدف يوسف الشاهد هي نيران صديقة سواء تعلق الأمر بحزب الشاهد نفسه أو بحلفائه في الحكم.
فكم من رئيس حكومة أو وزير أول في تاريخ تونس الحديث تم تقديمه ككبش فداء أو شماعة يعلق عليها الحكام الفعليون أخطاءهم، فتتم إزاحتهم عن الحكم حفاظا على التوازنات القائمة ومراعاة لاتفاقيات الغرف المغلقة. فهل يكون هذا مصير الشاهد؟ أم أن لرئيس حكومة تونس الشاب القدرة على المناورة رغم الخراب والخسائر التي يتسبب فيها المندسون في الاحتجاجات الاجتماعية، ورغم انسحاب أحزاب من الحكومة ومن وثيقة قرطاج التي كانت الأساس الذي شكلت على أساسه حكومة الوحدة الوطنية؟

أي مصير ينتظر حكومة يوسف الشاهد في ظل الاضطرابات التي تعيشها تونس؟



المصدر : http://www.alquds.co.uk/?p=860713

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *